الصنّاع العرب
من هم الصنّاع العرب؟

من هم الصنّاع العرب؟

لنجب أولاً على الشق الأول من السؤال: من هم الصنّاع (makers)؟ سوف نرجع بالزمن قليلاً كي نفهم كيف نشأت حركة الصناع. انتشرت منذ منتصف القرن المنصرم، خصوصاً في أمريكا وأوروبا، ثقافة “اصنعها بنفسك” (DIY). الأشخاص الذين يتبنون هذه الثقافة يحبّون صنع وإصلاح أغلب الأشياء بأنفسهم، سواء كانت في المنزل، الحديقة، السيارة، أو الأجهزة الكهربائية. وقد تركّز جزء كبير من هذه الثقافة في بناء وإصلاح أدوات المنزل والأثاث، فمن عاش فترة في أمريكا أو أوروبا فهو يعرف كيف أنه كان عليه أن يقوم بنفسه بتركيب وبناء قطع الأثاث التي يشتريها، اذهب لزيارة إيكيا واشتر من عندهم لتعرف ما أقصد. هناك مجموعة أخرى من الأشخاص، يحبون التعديل على الأشياء وتغييرها، كالتعديل على تصميم الدرّاجات أو الأجهزة أو الأثاث. هؤلاء يُطلق عليهم هاكرز (نعم لا تقتصر تسمية الهكر على اختراق وتعديل البرمجيات، بل تشمل العتاد كذلك). وقريب منهم من يحب الفك والتركيب كهواية للتعلم وإشباع الفضول والشغف للمعرفة، ويطلق عليهم (Tinkerers).
مع تطور التقنية وانتشار المصادر المجانية للتعلّم والأدوات والبرمجيات المفتوحة المصدر، أصبح من السهل على الشخص أن يتعلم ما يلزم لصناعة ما يريده. هكذا بدأت حركة الصنّاع في أمريكا بمزيج من الثقافات السابق ذكرها، وشجّع على تطوّرها تبنيها من عدّة جهات إعلامية وتجارية وحكومية، وظهور عدّة مجلّات وكتب ودورات لهذا المجال. كما ساعد على انتشارها المبادئ الأساسية التي تتبناها الحركة، وهي التشجيع على التعلّم والتعليم والمشاركة والعمل الجماعي، فأضيفت إلى المعادلة ثقافة “لنصنعها سوياً” (DIT). هذا شجّع على تكوين مجموعات اهتمام في العديد من المدن، ليس في أمريكا فقط، بل حول العالم. العديد من هذه المجموعات افتتحت ما يمكن أن يسمى وُرَش الصنّاع* (makerspace أو hackerspace)، حيث يلتقي المهتمون ويتشاركون الأجهزة والأدوات، وبالذات الغالية الثمن، ويتناقشون مشاريعهم وأفكارهم، هذا الموقع يحوي قائمة ضخمة لهذه الورش على مستوى العالم.
هذه باختصار خلفية عن بدايات حركة الصنّاع. لنفهم بشكل أدق من هم الصنّاع، قد يكون من المناسب أن نعرف صفاتهم وأهدافهم وطريقة تفكيرهم:

• الصنّاع عندهم فضول وشغف للتعلم وحب التجربة والابتكار. إيجابيون، لا يعيقهم الفشل، بل يتعلمّون من أخطائهم.
• يحبون مشاركة إنجازاتهم مع الجميع، بعرضها وشرح طريقة العمل وكيف صنعوها.
• يحبّون تعليم غيرهم ومشاركة أدواتهم ويستقبلون الأسئلة ويجيبون عليها بصدر رحب.
• يفضّلون أن يصنعوا ما يحتاجون بدلاً من الاستهلاك المطلق لكل شيء، فهم منتجون.
• يسعون دائماً لإيجاد حلول عملية (قابلة للتنفيذ) للمشاكل التي تواجههم أو تواجه غيرهم، فهم مبتكرون وعمليّون.

من المهارات التي يتعلمها الصنّاع لمشاريعهم: الالكترونيات، المتحكمات الدقيقة (مثل أردوينو)، الحاسبات المصغّرة (مثل راسبيري باي)، الطباعة ثلاثية الأبعاد، الأعمال البلاستيكية، الميكانيكا، والأعمال الخشبية والمعدنية، وأي مهارة تساعد على إنجاز عملهم. ومن التطبيقات لهذه المهارات، الروبوتات بكافة أنواعها (بعجلات، بأرجل أو رجلين، ذراع آلية، …الخ)، طائرات الهواة متعددة المراوح والغواصات، التحكم بأي شيء من حولك الكترونياً (ومن أمثلته أجهزة المنزل الذكي)، الأعمال الفنيّة، وحلول المشاكل التي تواجهك يومياً، والقائمة تطول ولا حصر لها.
قد تتساءل، من الذي يستطيع إتقان كل هذه المهارات؟ لا بد أن ذلك سيأخذ وقتاً وجهداً كبيراً. في الحقيقة، لا يلزم أن يكون الصانع متخصصاً أو متقناً لأي من هذه المجالات، فيستطيع تعلم الجزئية التي يحتاجها لمشروعه الحالي. وذلك يوفّر عليه الوقت ويسرّع من إنجازه. فإذا أردت أن تتحكم بمحرك عن طريق الأردوينو مثلاً، ستحتاج أن تتعلم مبادئ الأردوينو وكيف تكتب برنامجاً يتحكم بالمحرك (توجد العديد من الدروس والأكواد البرمجية المفتوحة المصدر لذلك متاحة بالمجّان) وبعض المفاهيم البسيطة عن الالكترونيات الخاصة بالتحكم بالمحرك، و … فقط! ما تحتاجه هو التعلم من التجربة، تستطيع الرجوع إلى النظريات والمفاهيم الأساسية والمتقدمة متى احتجت لذلك.
فضلاً عن فائدة حركة الصنّاع العلمية والاجتماعية، فإن لها بعداً اقتصادياً يظهر جلياً في العدد الكبير من الشركات الناشئة التي قامت على ابتكارات الصنّاع، وسيكون لنا حديث عن ذلك لاحقاً إن شاء الله.
صحيح أن هذه الحركة بدأت في أمريكا، إلّا أنها انتشرت حول العالم بسرعة فائقة، هل سمعت عن أردوينو؟ هذا إنتاج شركة إيطالية (وهو بالمناسبة مفتوح المصدر). للأسف المحتوى العربي حول المجالات التي يحتاجها الصنّاع شحيحة، وإن وجد بعضها فهو مبعثر هنا وهناك في مبادرات يُشكر عليها أصحابها.
لنرجع لعنوان المقال، من هم الصنّاع العرب؟ الصناع العرب تنطبق عليهم نفس صفات الصنّاع السابق ذكرها، ولكن بهوية إسلامية ولسان عربي. فكل ما خالف الشرع فلن يأخذوه (وهو قليل في حركة الصنّاع ومُستغنىً عنه)، ومشاركاتهم تكون باللغة العربية إثراءً للمحتوى العربي على الانترنت وكي يصلوا إلى شريحة كبيرة لا يعرفون الإنجليزية.
من أهداف موقع الصنّاع العرب إثراء المحتوى العربي بالأخبار، والمقالات، والدروس المتعلقة بالصنّاع كالإلكترونيات والطباعة ثلاثية الأبعاد وغيرهما. والهدف الآخر هو إنشاء مجتمع رقمي للصنّاع لتبادل الخبرات ومشاركة الإنجازات والإجابة عن الأسئلة والنقاش الهادف. سيكون هذا على مراحل بإذن الله، ونبتدئ بالدروس والمقالات والأخبار. ستكون المشاركة مفتوحة للجميع كما سيوضح لاحقاً بإذن الله. كما نحب أن تنضموا إلى حركة الصناع وتشاركونا ما صنعتم وما تصنعون على هذا الوسم في تويتر: #الصناع_العرب.
نسأل الله أن يوفقنا والجميع لكل خير، وأن يبارك في الجهود. ونأمل (كما نتوقع) أن نجد من الابتكارات (العملية لا النظرية) ما يضاهي وينافس كبرى الدول.

فارس القنيعير

أضف تعليق

اترك رد

تابعنا